المقريزي
367
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
العظام ؟ أسحرة بلدي علموك هذا أم تعلمته بعد خروجك من عندنا ؟ فقال : هذا ناموس السماء وليس من نواميس الأرض . قال فرعون : ومن صاحبه ؟ قال : صاحب البنية العليا . قال : بل تعلمتها من بلدي ، وأمر بجمع السحرة والكهنة وأصحاب النواميس وقال : اعرضوا عليّ أرفع أعمالكم فإني أرى نواميس هذا الساحر رفيعة جدّا . فعرضوا عليه أعمالهم فسرّه ذلك ، وأحضر موسى وقال له : لقد وقفت على سحرك وعندي من يفوق عليك . فواعدهم يوم الزينة ، وكان جماعة من البلد قد اتبعوا موسى فقتلهم فرعون ، ثم إنه جمع بين موسى وبين سحرته ، وكانوا مائتي ألف وأربعين ألفا يعملون من الأعمال ما يحير العقول ويأخذ القلوب ، من دخن ملوّنات ترى الوجوه مقلوبة مشوّهة ، منها الطويل والعريض والمقلوب جبهته إلى أسفل . ولحيته إلى فوق ، ومنها ما له قرون ومنها ما له خرطوم وأنياب ظاهرة كأنياب الفيلة ، ومنها ما هو عظيم في قدر الترس الكبير ، ومنها ما له آذان عظام وشبه وجوه القرود بأجساد عظيمة تبلغ السحاب وأجنحة مركبة على حيات عظيمة تطير في الهواء ، ويرجع بعضها على بعض فيبتلعه ، وحيات يخرج من أفواهها نار تنتشر في الناس ، وحيات تطير وترجع في الهواء وتنحدر على كلّ من حضر لتبتلعه . فيتهارب الناس منها ، وعصى تحلق في الهواء فتصير حيات برؤس وشعور وأذناب تهمّ بالناس أن تنهشهم ، ومنها ما له قوائم ، ومنها تماثيل مهولة ، وعملوا له دخنا تغشي أبصار الناس عن النظر فلا يرى بعضهم بعضا ، ودخنا تطهر صورا كهيئة النيران في الجوّ على دواب يصدم بعضها بعضا ويسمع لها ضجيج ، وصورا خضرا على دواب خضر ، وصورا سودا على دواب سود هائلة . فلما رأى فرعون ذلك سرّه ما رأى هو ومن حضره واغتم موسى ومن آمن به ، حتى أوحى اللّه إليه لا تخف إنك أنت الأعلى ، وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا . وكان للحسرة ثلاثة رؤساء ، ويقال بل كانوا سبعين رئيسا ، فأسرّ إليهم موسى : قد رأيت ما صنعتم ، فإن قهرتكم أتؤمنون بالله ؟ فقالوا نفعل . فغاظ فرعون مسارّة موسى لرؤساء السحرة ، هذا والناس يسخرون من موسى وأخيه ويهزؤون بهما ، وعليهما دراعتان من صوف وقد احتز ما بليف ، فلوّح موسى بعصاه حتى غابت عن الأعين وأقبلت في هيئة تنين عظيم له عينان يتوقدان ، والنار تخرج من فيه ومنخريه ، فلا يقع على أحد إلّا برص ، ووقع من ذلك على ابنة فرعون فبرصت ، وصار التنين فاغرا فاه فالتقط جميع ما عملته السحرة ، ومائتي مركب كانت مملوءة حبالا وعصيا وسائر من فيها من الملاحين ، وكانت في النهر الذي يتصل بدار فرعون ، وابتلع عمدا كثيرة وحجارة قد كانت حملت إلى هناك ليبنى بها ، ومرّ التنين إلى قصر فرعون ليبتلعه ، وكان فرعون جالسا في قبة على جانب القصر ليشرف على عمل السحرة ، فوضع نابه تحت القصر ورفع نابه الآخر إلى أعلاه ، ولهب النار يخرج من فيه حتى أحرق مواضع